ابن عجيبة

530

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( مجريها ومرساها ) : مشتقان من الجري والإرسال ، أي : الثبوت ، وهما إما ظرفان زمانيان ، أو مكانيان ، وإما مصدران ، والعامل فيهما : ما في ( بسم اللّه ) من معنى الفعل . وإعراب « بسم اللّه » : إما حال مقدرة من الضمير في « اركبوا » ، أي : اركبوا متبركين بسم اللّه ، أو قائلين : بسم اللّه ، وقت إجرائها وإرسائها . أو ( مجراها ومرساها ) : مبتدأ ، و ( بسم اللّه ) : خبر . فيوقف على ( فيها ) ؛ أي : إجراؤها وإرساؤها حاصل بسم اللّه . يقول الحق جل جلاله : وَقالَ نوح لمن كان معه : ارْكَبُوا في السفينة وسيروا فيها . روى أنهم ركبوا أول يوم من رجب ، وقيل : يوم العاشر منه ، واستوت على الجودي يوم عاشوراء ، بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها أي : متبركين بسم اللّه وقت إجرائها ، أو قائلين بسم اللّه وقت إجرائها وإرسائها ، روى : أنه عليه السّلام كان إذا أراد أن يجرى السفينة قال : بسم اللّه ، فتجرى ، وإن أراد أن يوقفها قال : بسم اللّه ، فتوقف . إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ، فلو لا مغفرته لما فرط منكم ، ورحمته إياكم ، لما أنجاكم . فركبوا مسلمين وساروا . وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ ، والموج : ما يرتفع من الماء عند اضطرابه ، أي : كل موجة من الطوفان كالجبال في تراكمها وارتفاعها ، وما قيل من أن الماء أطبق ما بين السماء والأرض ، وكانت السفينة تجرى في جوفه ، لم يثبت . وكيف يكون الموج كالجبال ؟ والمشهور أنه علا شوامخ الجبال ، خمسة عشر ذراعا ، وإن صح ذلك فلعل ارتفاع الموج كالجبال كان قبل التطبيق . وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ، كان كنعان . وقيل : كان لغير رشدة ، وهو خطأ ؛ لأن الأنبياء عصمت من أن تزني أزواجهم . والمراد بالخيانة في قوله : فَخانَتاهُما « 1 » . في الدين . وَكانَ فِي مَعْزِلٍ ؛ في ناحية ، عزل نفسه فيها عن أبيه ، أو عن دينه ، فقال له أبوه : يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا في السفينة ، وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ في الدين ، أو في الاعتزال عنا ، وكان يظنه مؤمنا ، لإخفاء كفره . قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي ؛ يمنعني مِنَ الْماءِ ، فلا أغرق ، قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ أي : إلا الراحم ، وهو اللّه ، فلا عاصم إلا أرحم الراحمين . أو : لا عاصِمَ ؛ لا ذو عصمة إلا من رحم اللّه ، فلا معصوم إلا من رحمه اللّه . فالاستثناء حينئذ متصل . أو : لا عاصم اليوم من أمر اللّه لكن من رحمه اللّه فهو المعصوم . أو : لا ذو عصمة لكن الراحم يعصم من شاء ، والاستثناء منقطع . وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ ؛ بين نوح وابنه ، فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ؛ فصار من المهلكين بالماء . روى أنه صنع بيتا من زجاج ، وحمل معه طعامه وشرابه ، وصعد على وجه الماء فسلط اللّه عليه البول حتى غرق في بوله « 2 » . واللّه تعالى أعلم بشأنه .

--> ( 1 ) من الآية : 10 من سورة التحريم . ( 2 ) الآية صريحة في أن الولد أراد أن يأوى إلى جبل يعصمه من الماء . . فماذا ينفع الزجاج هنا . وما ذكره الشيخ المفسر لا دليل عليه .